صـوتي
Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.
لتحميل الملف الصوتي
اضغط هنا
ملخص الدرس
في هذا الدرس يقف د. مصطفى الحسن بداية على أكبر العوائق في تقدم الأمم فيحدثنا عن المنهجية في تلقي العلم ، ومن ثم ينتقل معنا ليحدثنا عن الكلمة وكيف أعلى من شأنها القران، وبعدها يحرك عاطفتنا بنقله لنا تلك الصورة وذلك المشهد الذي وصف لنا حال النبي عليه الصلاة والسلام لما يرى ويسمع من قومه ولنرى كيف واساه القران بكشفه له سر وجود الكون وباعطائه الفلسفة التي من خلالها يستطيع ان يتعامل ويتفاعل معها.
ايات معدودات ستعلمنا اعظم معاني الحياة وأعظم فلسفة تمكننا من النهوض والارتقاء لنبقى نردد (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا).
.
مصدر تلقي العلم
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ}
ما أعظمها من منهجية يعلمنا اياها القران، تحرك العقول نحو التفكير والإبداع، إذ يحدثنا عمن يتكلمون في ذات الله ماليس في حقه جل وعلا فيقول (ما لهم به من علم) إذ ليس لهم علم بهذا فمن أين أتوا به؟؟
فلا يوجد مصدر لأخذ مثل هذه المعلومة إلا من عالم الغيب فهل جاءهم رسول أخبرهم بها؟ أم هل عندهم كتاب قديم موثق أعطاهم هذه المعلومة؟؟
وإن قالوا كقولهم المعتاد (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) فالقرآن يؤكد على سلبية هذا المنهج إذ ان آباءهم أيضا لا علم لديهم فكيف تقلدونهم وهم أنفسهم لايعلمون، فهو دائما ما يشن هجمة على تقليد الآباء في كثير من السور ليؤكد على المنهجية الصحيحة في تلقي العلم ويركز على مصدر تلقي العلم، فمثل هذا التقليد الذي يسلم العقل للآخر ويرضى بما يسمع دون ان يعرف كيف وصل له هذا الكلام هو التقليد المذموم أما وان عُرف مصدر المعلومة من أين أتت فيحق لنا ان نقول قال فلان.
.
الحياة .. كلمة
{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}
وهذا الكلام الذي قيل في ذات الله هو في النهاية كلمة لكن في هذه الآية القرآن يضخمها لنا ويصفها (كبرت كلمة)، فيشبهها بالجسد الذي يخرج من الجوف ليذهب بعقولنا الى الوقع المادي للكلمة فالكلمة هي نَفس يخرج من الجوف لكنه ليس كالنفس فكأن جسما يخرج من داخلك فيشكل شيئا في الواقع، وكما يقول علماء اللسانيات: كلمة كلب لا تعض، فلماذا يغضب الانسان حينما يشتم بهذه الكلمة وهي في النهاية لا تعض؟
فهذه الكلمة إن كانت مجرد شيئ معنوي فلماذا يعاملها معاملة الشيء المادي ويصفها بهذا الوصف؟
يشبه القران لنا هذا التشبيه للكلمة كي يقول لنا أن هذه الكلمة التي خرجت هي كلمة لكنها إذا خرجت إلى الوجود صنعت سلوكا، فهذه الأفكار الغيبية التي لا يوجد لها مصدر إلا الوحي هي ليست مجرد كلام سينتهي أثره عند خروجه، فالحياة كلها كلام ولتغيير اي سلوك نقوم بانتقاده اولا عن طريق الكلام الى ان يصل الكلام الى سلوك فعلي، فإذا منعنا الكلام منعنا الحياة وإذا أوجدنا الكلام أوجدنا الحياة.
.
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات..
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}
البخع: هو عرق في آخر الرقبة، يقولون باخع نفسه أي عندما تقطع الرقبة وصولا الى العرق الأخير.ودائما ما تطلق كلمة البخع على ما يفعله الانسان في نفسه، وكانت في الشعر العربي تطلق على من يقتل نفسه بسبب الحب والعشق، فكان الحبيب إذا أعرضت عنه المحبوبة تلتفت اليه في اللقاء الأخير ثم تذهب، وهو ينظر إلى آثارها فتصبح هذه الآثار هي علامة الانفصال واللقاء الأخير.
من هذه الصورة الحزينة ينطلق القرآن بنا إلى مشهد أرقى فيصور لنا حال النبي عليه الصلاة والسلام وكأنه التقى بالمشركين اللقاء الأخير بعدما تركوه ومضوا، فهو ينظر إلى آثارهم متحسرا عليهم فيقول له القرآن (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)، اي: تقتل نفسك من شدة الأسف، والأسف هو الحزن مع الغضب فإذا أصبح عند الانسان شعور بالحزن على شخص والغضب عليه فقد يؤدي به هذا الشعور الى الهلاك.
وهذا الشعور قد يسيطر على أي مصلح يحاول تغيير الناس وتحويلهم نحو فكرة جديدة، فهو شعور طبيعي لكن القرآن يعلمنا كيف نتعامل معه ويعيدنا الى الحقيقة التي لامفر منها (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).
.
الزينة.. لا حدود لها
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا }
وفي هذه الآية يكشف لنا القرآن سرا من أسرار الكون ويدعونا للتفكر في الطريقة المثلى للتعامل معه فيقول (إنا جعلنا ما على الأرض) أي كل شيء في الوجود من غير العقلاء (زينة) للأرض؛ والزينة: كل ما يتزين به ، وتطلق على الفنون والذي يُستشعر بالذوق، فكل ما في هذه الأرض من حجر وشجر وبحر وقمر هو زينة قد جمعت في هذا العالم الذي نراه ونسمعه ونحسه لتكون لوحة فنية رائعة.
والزينة كلمة متقدمة على الخدمة، فالخدمة تقدم لك ما هو أساسي من دون أي اضافات فتقوم انت بإضافة ماهو زينة عليها وتنفق الأموال على الزينة وأغلب ما نراه حولنا زينة فهي شيء زائد لكنها ضرورية الوجود ، وكانت العرب تستخدم الزينة للتعبير عن تعابير الوجه (ازدان وجهي) فالزينة تكون في كل شيء ولا حدود لها.
.
لوحة فنية.. وبيدك الريشة والألوان
{لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
وما جعل الله هذه الزينة لهذه الأرض إلا ليحفز الانسان على المشاركة في العمل فيها، ومع ان الايات السابقة كانت تتحدث عن الكافرين والمؤمنين،إلا ان القران في هذه الاية جعل التنافس في العمل وليس في الايمان، وهنا جعل التباري بين الحسن والأحسن فهناك السيء جدا والأقل سوءا والحسن والأحسن، والمطلوب من الانسان هو الأحسن (أحسن عملا).
فكأنه أعطاك لوحة فنية تصل إلى منتهى الكمال في الجمال وأعطاك ريشة وألوان وقال لك تدخل بذوقك وفنك في هذه الرسمة، فهو يريد أن يرى ما أنت صانع بها وكيف سيكون تدخلك. وإذا كان لا بد لتدخلك فانت تحتاج لذوق وحس عال وراق لتتذوق اللوحة وتشارك في قراءة الكون لتعرف بعدها كيف تتدخل فيه بطريقة لا تفسده وتخربه.
وإذا كان الكون هو كلمة الله المشاهدة فالقرآن هو كلام الله المسموع فهو زينة للعقل ولللّفظ وهو لوحة فنية اخرى نحتاج لتذوقها.
.
نهاية الكون وغاية الانسان..
{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}
تنتقل هذه الآية مباشرة إلى النهاية التي تنتظر هذه الارض وهذه الزينة (صعيدا جرزا) أي ترابا لاتنبت شيئا ، وقد يتساءل أحدهم، إذا كانت هذه هي نهاية الارض فلماذا صنعت من الأصل بهذا الجمال كله وبهذه الزينة كلها؟
هنا يأتي هدف هذه الآيات بأن تقول لك بأن هذا الجمال ليس مقصودا لذاته وإنما كان الهدف من ورائه أن يرى الله ماذا سيفعل الانسان بكل هذه الزينة، فياأيها النبي الكريم لاتحزن على مايسوؤك من مناظر شوهت الارض فهذا الكون سيأتي عليه يوم يدمر كل مافيه فلا تحزن على هذا الكون ولكن احزن على هذا الانسان الذي لم يمتلك الذوق الكافي ليكتشف ماهو صواب فيتبعه، ولا تقتل نفسك أسفا عليه لأنه هنا للاختبار، وهكذا هي الدنيا.
.
.
____
كتبته
خولة طملية
آخر الردود